شارعُ المُتَنَبي .. خِزانة الكُتُبِ الخالدة

 

 

المكان ليس جدرانَ وحدود وتضاريس تبصرها وتترك انطباعها لديك فقط ولكن المكان هو الذي تستطيع استشعار روح البقاء فيه ، تجد رغبته بالاستمرار في الوجود من خلال تأثيره وانبعاث روحه في كل عصر، المكان هو مجموع الأرواح التي مرّت فيه وستمر، فالمكان الذي لا يمتلك هذه الخواص سيزول ويندثر ، المكان الذي لا يحمل في تفاصيله عشبة الخلود يضمحل في طيات الذاكرة قبل  اضمحلاله على الخارطة .

شارع المتنبي جلجامش الشوارع والأمكنة ، هذا الدرب الملتوي الخالد رغم ما مرّت به من نكبات قديمة  أو معاصرة ، هذا الشارع المسافر بين الأجيال وكأنه استمد خلوده من نهر دجلة الذي يجاوره ويستمد اخضراره من مياهه التي لونتها في يوم ما أحبار الكتب التي ألقيت في هذا النهر وهي تحمل أرواح وأفكار من كتبوها.

لا يمكن لنا أن نحصر  مكانة شارع المتنبي في الثقافة العراقية المعاصرة ، للشارع مكان استحق بجدارة كونه شكّلَ معيناً للمثقف العراقي ولم يبخل عليه بأي كتاب أو مجلة، فكل من كان يبحث عن ضالته سيجدها بين أكوان من الكتب القديمة والحديثة ولم يكن هذا الشارع يوم ما محسوباً على مدرسة فكرية معينة فقد جمع كل المدارس الفكرية على رفٍّ واحد وهذا يظهر مدى التنوع الثقافي الذي يهيمن على فضاء شارع المتنبي.

انه ليس كبقية شوارع بغداد، انه يحمل في طياته وزواياه الثقافة العراقية، وتحولاتها ولحظات خوفها، هذا الشارع الذي يولد من شارع الرشيد منحدراً صوب نهر دجلة، وكأنه يوحي إليك بسرّيته، راسماً بهذه الولادة دلالة ايقونية تتشكل بتشكل الثقافة العراقية طيلة أكثر من ثلاثة عقود.

في هذا الشارع كان أدباء العراق ومثقفوه يتداولون الكتب التي أضحت بين ارتداد طرف القمع وارتقاء ثقافة المقصلة، كتباً تنذر بعهد من السرية والثقافة ذات الصوت المهموس ولو حاولنا أن نستوضح نوعية هذه الكتب لوجدناها قائمة مفتوحة تشتمل على العديد من العنوانات ولا تقتصر على كتب السياسية بل إنها تتعدى نحو الكتب الشعرية والروائية والكتب التي تتحدث عن اضطهاد الأقليات، من هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر: رواية الساعة الخامسة والعشرون كتب ماركس و انجلز وكتاب النقد الثقافي لـ: عبد الله الغذامي ، وبعض روايات عبد الرحمن منيف و كذلك دواوين سعدي يوسف و عبد الوهاب البياتي و كل الكتب التي تخص بعض المذاهب الإسلامية و كثير من الكتب أصبحت كتباً ممنوعة ويعاقب عليها قانون خاص استحدث ليكون ضمن باقة القوانين المستحدثة التي جعلت القانون العراقي في حالة تحول شبيه بالتحول الألسني، هذا القانون يعاقب كل من نسخ أو باع أو اشترى احد الكتب الممنوعة المدرجة ضمن هذه القائمة المفتوحة التي يستطيع أي ضابط أمن أن يضيف أي عنوان يعتقد انه عنوان خطير لكاتب خطير، بالسجن لعدة سنوات، وهذا ما حصل للعديد من باعة الكتب في شارع المتنبي، بل ان الحالة تعدت الكتب الممنوعة ليكون هناك كتّاب ممنوعون كـ: مظفر النواب و احمد مطر و عزيز السيد جاسم الذي اعدم على يد النظام السابق و الجواهري و البياتي والقائمة تطول.

هذا الشارع الذي ظل محفزاً لقلق السلطة حتى إنهم عينوا ضابط أمن عن هذا الشارع وما يدور فيه من تداول للأفكار وأحاديث الأدباء والمثقفين، خاصة وانه شارع ذو حركة يومية نشيطة، وفيه يجتمع الكثير من أدباء العراق في يوم الجمعة من كل أسبوع بشكل عفوي، مما دفع السلطات إلى افتعال مضايقات الغرض منها الحد من التقاء الأدباء، كأعمال الإنشاء وغلق الشارع وانتشار عناصر الشرطة العسكرية ودوريات الأمن والمداهمات التي كان يبرمج لها وتوقّت لتنفّذ في يوم الجمعة بالذات.

لكن إصرار الأدباء إلى جعل هذا الشارع متنفساً و جعله محوراً لانطلاق الثقافة العراقية والتقاء رموزها من خلال تظاهرة تشير إلى أن الثقافة العراقية حية.

شارع المتنبي الذي اظهر الثقافة الرافضة بصورة منشورات يتلقفها المثقفون، هذه المنشورات كانت عبارة عن مجاميع شعرية وكتب صغيرة مطبوعة بواسطة الكومبيوتر ومستنسخة لتوزع على شكل كتب، وفي هذه الشارع انطلقت حركة الاستنساخ للكتب الواردة من خارج العراق والتي كانت تعتبر من الكتب المحرّمة، وتم إصدار مطبوعات دورية بطريقة التفافية كمطبوع علامات ومجلة أشرعة ومناخات هذه المطبوعات التي لم تعمر أكثر من أعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

وبهذا يكون هذا الشارع الذي ينحدر من كتف شارع الرشيد صوب دجلة، نافذة حقيقية اطلّ منها مثقفو العراق صوب الثقافة العربية و العالمية التي حاولت ثقافة القمع أن تحرمهم منها، هذا شارع المتنبي المكان الذي ارتسمت فيه ذاكرة أمينة للثقافة العراقية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نُشرت في موقع [شهريار] بتاريخ 4 تموز 2011

الناقد العربي إخوانياً وعبداً لمؤسسة !

 

ما لا يمكن اعتماده في معرفة مدى الشعرية في نص ما، هو الموسيقى التي ترافق النص، وتمتزج في بنيته الداخلية والشكل الخارجي، ومما يثير العجب حقاً، أن يقدم باحث ما لنص ما على تقييم نص أو تجربة شعرية لشاعر ما، معتمداً على الإيقاع الذي كتبت فيه القصيدة واصفاً إياه بأوصاف لا يستسيغها النقد العلمي بل النقد (الإخواني) ذو الطرح الهزيل.

تملكتني الدهشة وأنا اقرأ موضوعاً قام بترجمته والتقديم له الكاتب السوري صبحي حديدي، ونشره في مجلة الكرمل ، العدد 80 لصيف 2004. حيث ناقش في مقدمته بأربعة أسطر لا أكثر قضية السجالات التي تشهدها الحياة الثقافية الأمريكية ونوعية الأفكار المتداولة بوصفها أفكاراً كونية (معولمة) حسب تعبير كاتب التقديم، مذكراً أن لا صوت يمكن له أن يقول إن إمبراطوريات الشعر العربي إمبراطوريات هزيلة وهو كان صادقاً تمام الصدق بهذا التعبير من ناحية بيان توجهه وذائقته، حيث قرن الهزال بما هو نثر غير شعري أو نثر رديء حسب قوله، متناسياً إن كل أجناس الشعر والفنون الأخرى تحتوي بين ظهرانيها، الغث والسمين.

ولكنه يطرح نموذجه الكوني في التقديم الذي كتبه لموضوعه من قصيدة لمحمود درويش الذي يراه نموذجاًُ مستقبلياً يحتوي على خصائص الكمال الجمالي والبلاغي والشعري والإيقاعي دون أن يشير إلى كيفية تلمس هذا الكمال والاتجاه المستقبلي لهذا المقطع دون غيره، إن ما اختاره من قصيدة محمود درويش هو مقطع بسيط في تركيبه الوزني واللغوي لا تعقيد فيه ولا أرى فيه شيئاً يميزه عن عشرات النصوص التي كتبها شعراء في مراحل سابقة لدرويش ومعاصرة له. بينما نجد كاتب المقدمة يحتفي بهذا المقطع احتفاءً وكأنه يؤدي طقساً من طقوس الولاء بتعبيرات لا نجد مثيلها في أي نقد موضوعي حيث يقول: “وندرك أننا نفتح الذائقة الجمعية على حقل عريض مركب ، تتشابك فيه أواليات التلقي الملحمي بمفردات مشروع شعري رفيع، ينفصل عن – بقدر ما يستجمع الشتات الفاتن في – مشروعات أخرى بعيدة الغور وضاربة الجذور في الروح والذاكرة والهوية الفنية للذات العربية المستوطنة في تراث عريق” ، إن هذا الوصف وصف (تملقي) غير موضوعي، كيف يمكن لعدة أشطر لا تختلف بأي شيء عن الكثير من المقاطع المكتوبة على ذات الوزن (بحر الكامل) بأن تكون شيئاً مغايراً وهذا يعني أن النص المكتوب لم يكتب بمعزل عن التراث العروضي العريض وليس كما وصفه الكاتب بأنه انفتاح على حقل عريض (ويبدو أن الكاتب لا إلمام له بالعروض)، ليس في هذا المقطع ما هو ليس بمألوف وليس هناك أي جهد لغوي يستشفه المتلقي ولا انفراد له يوحي بأن فيه مستقبلية بل العكس إن أول ما يواجه المتلقي هو (التناص) الذي استغرق النص والمحاولة العادية الخالية من الوهج الشعري إذ إن درويش عمد إلى الميثولوجيا الإسلامية مستفيداً من قصة نزول الوحي وسورة العلق ليبتني بها هذه الأقصوصة الشعرية ، ومستفيداً من الزخم الذي يوفره هذا التناص في بناء هذا النص أيضاً: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” (العلق:1) و “اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ” (العلق:3) ، ولكن تمادي كاتب المقدمة وإصراره على أن هذا النص خلق خرقاً شعرياً في مستوى الشعرية العربية ليقع بوهم توهمه هو ذاته ليكمل سيل أوصافه التي أوقعته بإشكالية (حل وثاق الارتباط بالماضي) حيث يقول: “مشروع لا يكفُّ عن صناعة عمارته البنائية الخاصة “الموسيقية والإيقاعية والاستعارية” التي تتجاذب الاستقبال وتغرّبه وتدرّبه، تحل وثاق ارتباطه بالماضي وتعيد تركيب منطق ذلك الارتباط ليكون الحاضر وبعض كثير من المستقبل قلب السيرورة بأسرها” إن القطعة التي أوردها كاتب المقدمة كنموذج مستغرقة استغراقاً كلياً في الماضي “قال الغيب لي اكتب” وذات منحى (أمري) لا ينفك أن يعيد النص نحو جملة (ماضوية)، كما أنها مبتنية على عيب السرد الحكائي الذي سيبقى سرداً إن هو لا ينمو لا شكلاً ولا مضموناً رويداً رويداً. كما أن التركيز على القافية في هذه السطور القليلة كان يفوق التركيز على بناء الموضوعة فالآلية التي استخدمها درويش هي آلية تقليدية لا تختلف بل تكاد تتخلف عن ما استخدمه السياب أو نازك بل إنه (مأموم) تتبع خطوات أئمة التفعيلة، ولم يخالفهم في إغماضة عين ولا استزاد عليهم بنافلة ولا أعلم من أين جاء الكاتب بأن موسيقى درويش هي موسيقى فذة فهل تقاس الشعرية بالموسيقى وأي موسيقى؟

إن من تعاسة النقد أن يَظهر لدينا ناقد لا يميز بين شاعر ظهر في ستينيات القرن الماضي وشاعر ظهر في التسعينيات، وليس هذا فقط بل يورد أسماء لا تتعدى عن كونها لنجوم أكثر منها لشعراء، ليثبت بأنه لا يمتلك المؤهلات التي تمنحه صلاحية تقييم الحياة الشعرية العربية والخارطة الحقيقية لها، فالكاتب ينسى أو يتناسى أسماء مهمة انطلقت من العراق لا لتكتب شعراً وإنما لتضيف إلى الشعرية العربية الشيء الكثير فهو في حين يستهجن ما سمّاه نسقية العمود في التفعيلة يتغافل عن أن المقطع الذي لم يتبق من الأوصاف التي أطلقها عليه سوى أنه نص محكم هو من مجرة قصيدة التفعيلة ولا يستطيع الخروج من ربقتها لا بكثير ولا بقليل. إنه من بحر الكامل الذي دون عروضه الخليل وكتب عنترة معلقته على هذا البحر ولمعت غرر المتنبي من خلاله فأي خرق موسيقي خلقه درويش حين استخدم هذا الوزن؟؟!!.

وعودة إلى النسق وحتى لا ينسى كاتبنا (النسقي) ، وهذه مفردة يستخدمها الغذامي كثيراً ، أقول له بأن استخدامه لهذه المفردة باطل جملة وتفصيلاً حيث سعى من خلال مقدمته لصنع شاعر (نسقياً) وتتويجه إمبراطوراً مدى الحياة كحال الأنظمة العربية.

كما أن كاتب المقال مصاب بالأمية الجغرافية للشعر العربي ففي حين يعلن عن محاولات شعرية لجسر الهوة بين النثر والتفعيلة لأسماء هو يعرفها من باب معرفة النجوم كسعدي يوسف وشاعره الأسطوري درويش وغيره ممن أتى على ذكره يتناسى أسماء عراقية كثيرة تبنت مشروع جسر الهوة وكتبت بالشكلين وأبدعت وقدمت نماذج إبداعية لا يرقى إليها الشك وفيها من تبنت قصيدة النثر كمشروع يصب في روح الشعرية العربية فهو يتغافل – على سبيل المثال لا الحصر – عن ذكر كمال سبتي وفوزي كريم وفاضل العزاوي وينسى أو يتناسى حسب الشيخ جعفر ، مقدماً الدليل القاطع على ارتباك الخريطة الشعرية لديه.

وأما ذكره لشاعرين عراقيين آخرين في المشهد الحالي فلم يكن إلا من باب المناورة وذر الرماد في العيون مثلما ذكره للجواهري ومصطفى جمال الدين المتوفيين أثناء الحديث عن الشعر العمودي أو ذكره لسعدي يوسف في جيل البدايات وسركون بولص من المشهد السابق فإن سأله أحد سيقول ألم أذكر ستة شعراء عراقيين؟ لكنه في الحقيقة قد ذكر عملياً ثلاثة شعراء عراقيين ليس إلا، من بين ثلاثين شاعراً عربياً يمثلون المشهد الحالي والسابق له! وكان في كل خانة يكثر من أسماء الشعراء السوريين والفلسطينيين وكأن سوريا وفلسطين هما اللتان أسستا الحداثة الشعرية ، مع كل احترامنا ومحبتنا لبلدينا العربيين سوريا وفلسطين.

أين الأمانة النقدية يا صاحبي صبحي حديدي؟ وأنت تقول حين تعدد الأسماء هؤلاء أفضل ممثلي المشهد الراهن؟

مرة تذكر الشعراء الفلسطينيين لأنك تعمل في المؤسسة الثقافية الفلسطينية ومرة تذكر شعراء سوريين لأنك سوري ولأنهم (بلدياتي) وحين تصل إلى شاعر سوري منهم يرف قلبك فتذكر معه مطلقته السورية (يا عيني على عطفك ورقة قلبك يا ناقدنا)، ومرة تذكر شعراء آخرين لأنهم يوجهون لك دعوات ثقافية لزيارة بلدانهم، إلخ .

ويمكننا أن نسأل عن العديد من الشعراء اللبنانيين والخليجيين والمغاربة والمصريين ..إلخ ، وكلهم غائبون من ذاكرة لها حسابات ربح وخسارة ، واضحة وبعيدة عن أي هدف نقدي راق.

سينهزم هذا النقد في العراق الجديد، لأن المؤسسة التي أنتجت ناقداً مثل صبحي الحديدي هي المهزومة والخاسرة في حرية الثقافة التي يتنفسها العراقيون الآن بعد سقوط الدكتاتورية على الرغم من السيارات المفخخة المرسلة إلينا والتي تحمل خطاباً هو ذاته خطاب مؤسسة الحديدي.

* قاسم زهير السنجري : شاعر وصحافي عراقي / بغداد

نُشرت في  [ مجلة أفق الإلكترونية ]   بتاريخ : الثلاثاء 19 أكتوبر 2004

تهافتُ النَّقد (حول تدوينة حسين بن حمزة : مبالغات سعد الياسري)

قاسم زهير السَّنجري *

لا يُعاب على الشاعر أن تكون جملته الشعرية مستغرقة في شعرية ، بل أن جودة النص تُقاس بمقدار الشعرية التي ينبض بها النص ، ومنها ينظر لإبداع الشاعر في ابتكار أسلوبه و انتهاج دربه بعيداً عن دروب انتهجها غيره من الشعراء ؛ سواءً كان في عصور سابقة أو في عصرنا الحالي .

وكوننا أمة شاعرة و اعني نحن المتحدثين باللغة العربية المستخدمين لأساليب هذه اللغة و طرائقها في التعبير ، فلا يمكن لنا التخلّي عنها لأنها أداة تعبيرنا الوحيدة . فهل يمكن لنا أن نوجه سؤالاً دون أن أن نستخدم أسلوب الاستفهام ؟ أو هل يمكن لنا أن نُسطّر جملة دون أن تكون امّا استفهاماً أو توكيداً أو نهياً أو أمراً أو طلباً ؟ هل يمكن لنا أن نتخلى عن افعال هذه اللغة وحروفها ؟ هذه هي اللغة و لا أعلم كيف تكون لغةً خالية من الاساليب البلاغية .. فكما يقول (جوناثان كالِر) ” يرتبط الشعر مع البلاغة ؛ فالشعر هو اللغة التي تعمل على استخدام وافر للصور المجازية ، وهو اللغة التي تطمح إلى تحقيق أغراض محددة بقوّة” . فالشاعر لا يخالف منظومته الآلية حينما يطرح الرؤية الشعرية في إطار بلاغي ؛ فهذا ما انجزته قريحته المُدرّبة على كيفية سبر اغوار لغته ، و استخدام اساليبها وتغذية معجمه الشعري بالمفردات الجديدة التي يوظفها في ما يخدم النص ؛ لا لمجرد أن يجعلها مصفوفة غير مؤدية للغرض الشعري “إذ أن الأساليب البيانية وطرق التعبير والمجازات تجعل من فن الإقناع فناً للإمتاع حتى عندما تكون في خدمة الحِجاج وبعيدة عن كونها مجرد زخرفة.” (بول ريكور) .

هذه المقدمة لا بد منها لتدخلنا إلى مقال (حسين بن حمزة) المنشور في صحيفة الاخبار اللبنانية (عدد الجمعة 24 يونيو 2011) تحت عنوان (مبالغات سعد الياسري) حول ديوانه الأخير (غفوة في نمش الكتفين) ، حيث جاء المقال في عبثيّة نقدية لا تمت إلى المنهجيّة بصلة . و لأول مرة اقرأ انطباعاً لا يدرك صاحبه ماذا يريد من انطباعه ؛ فكثيراً ما قرأنا انطباعات متحاملة أو مادحة ولكنها كانت تحتفظ على أقل تقدير برصانة قادحة كانت أو مادحة . و لكن أن يصل الفعل النقدي إلى إنتاج انطباع لايؤدي إلى نتيجة تجعلني أنا كمتلق للشعر و النقد اصل أو اكاد إلى ما أراد كاتبه ، حيث أجد نفسي و للمرة الأولى مع رأي غريب مستغرق في العبثية .. فحين يقول (حسين بن حمزة) : “هناك رغبة في نثر المزيد من السكَّر على لغة تحتفظ فصاحتها بحلاوة مسبقة الصنع” فهنا بالتحديد قد اسقط في يديهِ لأن فصاحة اللغة لا تعني وجود حلاوة مسبقة ، فهذا خطأ وكلام مرسل لا دليل عليه . و القول بجمالية اللغة (أريدُ العربية في عمومها) يُعدُّ مدحاً ليس محله في هكذا مسار .. خاصة و انها وقفت مرةً عاجزةً عن إيجاد تسمية مقنعة (للساندويش) ! كما إن هذه الجمالية (أو الحلاوة المسبقة) المفترضة للغة لا يمكن ان تنقل الكلام النثري المرسل إلى مصاف النصوص الشعرية .

و يشكو (بن حمزة) من زحام الاستعارات في نصوص (سعد الياسري) معبّراً عنها بأنها”غالباً ما تتحول إلى عبء على مرونة المعنى” و هنا سأحاول ان اتوجه إلى (بن حمزة) بطلب أن يوضح لنا ماذا يقصد بـ (مرونة المعنى) ؟ هل أراد: بالمرونة Elasticity التي هى خاصية الأجسام التى لها قدرة الرجوع إلى هيئتها و أبعادها الأصلية بعد تشكيلها ؟! أم تراه يقصد ما جاء في (لسان العرب) : “مَرَنَ يَمرُن مَرانةً ومُرُونةً: وهو لين في صلابة. ومَرَنتَ يَد فُلانٍ على العمل أي صَلبُت واستمرت والمَرَانة: اللينُ” . اذا كان هذا ما يريده فأي معنى هذا الذي يبحث عن مرونته ؟ فيما هو بعد عدّة اسطر يؤكّد “لا يشكو هذا الشعر من ضعف اللغة أو ركاكة التعبير ، لكنّ استخدام الكثير من المحسِّنات يحوّله إلى أكروبات بلاغي صاخب” . إنّ الشعر الذي لا يشكو من ركاكة التعبير يعني أمراً واحداً و هو ان المعنى كان تاماً و جليّاً لا تشوبه شائبة الغموض ، و انّه لم يتأثر سلباً بالمحسنات البديعية أو الزخارف كما يشاء (بن حمزة) تسميتها .. و هنا تتوضح مشكلته ؛ فهو لا يدرك ان الاساليب البلاغية وجدت لخدمة المعنى و ليس لتمويهه وكي اذكّره فقط .. سأهديه تعريف البلاغة ! فهي تعني في اللغة: “إيصال المعنى كاملاً إلى ذهن القارئ والسامع” ، و برواية اخرى :”هي العلم الذي يعرف به فصاحة الكلام مع مطابقته لمقتضى الحال” .

أيُّ وهم وقع به الناقد هنا ؟! وهم لا ينتج إلا عن اهمال الادوات النقدية و الاستزادة من مناهج النقد قديمها وحديثها ، فالنقد لا يعني القدرة على إنتاج العبث أو القدرة على كتابة عدة اسطر بمزاج سيء . وحتى لا يتوهم (بن حمزة) مستقبلاً في قراءة ما ليس له به علم ؛ عليه أن يعود طالباً نجيباً (اشكُّ في ذلك) ليفهم معنى الشعريّة ابتداءً .

 

* شاعر و كاتب عراقي | بغداد .

نُشرت في موقع “دروب” بتاريخ 28 | حزيران | 2011

إصداران بطريقة نشر مختلفة لخلف علي الخلف

 

 

502 خلف علي الخلف

 

 

khalafJPG

إيلاف: بطريقة جديدة على عالم النشر في اللغة العربية؛ أصدر الشاعر السوري خلف علي الخلف كتابين جديدين، الأول ديوان شعري عنونه بـ "كحل الرغبة" والثاني بعنوان "نواح الغريب: حكاية لم ينقرها الطير" وجاء على غلافه أنه نص. أما دار النشر فهي شركة لولو برس الأمريكية! وطريقة النشر هذه بسيطة وسهلة؛ وتتلخص بتحميل الكتاب وغلافه ضمن مواصفات وقياسات حددتها الدار وما على الكاتب إلا أن ينتظر المشترين؛ ليحصل على عائد عالي من المبيعات بعد خصم تكاليف الطباعة.. والنشر هنا ورقي وليس كتاب الكتروني رغم أن الشركة الناشرة تتيح شكلي الشراء مجتمعين ومنفصلين(ورقي – الكتروني). فعند طلب المشتري للكتاب تقوم مطابع الدار بطباعته في اقرب مطبعة من بلد المشتري متعاقدة معها الدار وترسله الى المشتري!!..
أما عن المحتوى، فالكتاب الأول تضمن نصوص شعرية كتبت بين عامي 2004 و 2006 كما هو مذيل في أسفل النصوص وجاء بـ 88 صفحة من القطع المتوسط. الغلاف صممته أشعار الباشا مستخدمة لوحة لـ جان ميرو  وقد تضمن الكتاب ستة نصوص حملت العناوين التالية (مولاي يا أسوداً لا يضاهى بدمع- أيها المرتجى استغاثات الغريب – كحل الرغبة- الرسولة – أنثى الفراسة شهقة القرين- السيدة البيضاء التي لا تخطفها الزرقة) تنحو بشكل عام نحو مناخ صوفي. وقد تداخلت بعض النصوص بين الشعر الفصيح والشعر العامي!. بينما الكتاب الثاني تشكل من نص طويل مقسم الى "ما يشبه المقدمة: أعمى غرناطة" ومقطع آخر بعنوان "الولوج إلى رواق الحكاية" والذي بدا كمقدمة ثانية، يأتي بعدها نص واحد معنون بـ "رواق الحكاية" ومقسم الى 16 مقطع متصل منفصل؛ يتداخل فيه السرد والشعر والحكايا عبر لغة تنحو بشكل حاد نحو الفجائعية؛ كما يشير إلى ذلك العنوان، ولوحة الغلاف للفنان السوري أحمد برهو بينما نفذ تصميمه الشاعر العراقي سعد الياسري. والكتاب كما هو موضح في نهايته كتب على فترة طويلة امتدت بين عامي 2003 و 2006.
قد صدر للشاعر قبل ذلك مجموعتين شعريتين الأول بعنوان "نون الرعاة" صادر عام 2004 والثاني بعنوان "التنزيل" صادر في عام 2007

 

kaaaaJPG

من "كحل الرغبة"
الرغبة تكتحل؛ الرغبة تغمرني كطعنة    تعلّم أصابعي الاستلقاء  ‏
تجهل اللغة / الفاصل بين الذنب والبراءة    الرغبة عري الأموات.. ‏
لم نلهث ما يكفي لنشيّد نورها     لم ننطفئ مايكفي لتهجرنا
‏نتوارث صداها ونضيّع ما تختاره الأعراس. نردم الهوة بين ما ‏غنمناه
من أسمالها   وبين السكاكين التي تنهش نهارنا

تعالوا أيُّها الموتى
تعالوا
لم نعد نرى توأم الحميمية يصلّي مفردا / لم تعد الصلاة تكفي ‏
للوثوب إلى ربنا لنسرق وجهه / لم يعد  ذاك الوميض الذي ‏يخطفنا
من خرائب الآن.. ‏
ونحن بشر بفأس عارية؛ فأسٌ تضحكُ مشرقة الحواف لتشجنا عن ‏الشوق ‏

ومن حكاية لم ينقرها الطير
نهدايَ ممتلئانِ بحليبٍ مخبئ منذ آدم، والعرّافة قالت سيمر فتى خانته الطرقات
يمشي حافياً كعراءٍ أبرص، يجاهدُ كي يَصُبَّ ماءً على يدي النهار.. إن رأيتهِ
يمجد السماء، ويؤذن للطير كي تصلي  فهاهو.. أرضعيه على الملأ.

اقتربتُ ببراءة اللغة، حللتُ وثاق لساني: صرختُ..
تلقفتني أيادي اللهفة، وخاطتِ الكلام إلى حنجرتي.. كي أقول لها:
ياحلماً يأتي على غفلة من النوم والصحو
يفتح نافذة التخيل على شبقٍ أخرس
عيناي تنبض بشهوة الرؤية
والعتمة نخرت عظامي
داري هذا الارتجاف فيَّ، فقد ورثته من قومٍ حفاة
مشّطي ليلي بمباغتةِ ضوءٍ يرتجف على نهديكِ
ها أنا قوس قزحٍ مضرج بالهتافات، أرتمي عند أصابعك، أعرّش هناك
كاحتفالٍ لم يحضره سوى الهواء.
يقيني يذوب ويغمض متاهته في جمالٍ لم تسفحه الخيبةُ

السينما المضادة

 

 

 

" البندقية المصوبة إلى الظهر من اقوى وسائل الاقناع "
فورست هاردي
من كتاب السينما التسجيلية عند جريرسون

 

5

          حسن قاسم

 

مخرجون كبار أرادوا في غفلة من هوليود أن ينتجوا افلامهم " العاصية " هذا هو اللقب الذي يتداوله المنتجون الرسميون وهم يضعون مخططاً شاملاً للأفلام الأمريكية القادمة ، وبغض النظر عن المضمون الذي ياتي في المرتبة الثانية لاهتمامات صانعي السينما ، فأن الشكل النهائي لكل فيلم يعتمد على  انموذج واحد: البطل ذو القدرة الخارقة بإزاء قوى الشر.
أوليفرستون مثلاً ، كان عادة ما يغني خارج  السرب ، ويحصل على الجوائز والاشادات المتكررة بأفلامه ذات الصبغة المشاكسة والنية المبيتة لشتم المؤسسة السينمائية ويحصل اوليفرستون  ايضاً على الشتائم المقابلة والتي  لا تعدو كونه مصاباً بعقدة الانتماء أو غرابة الاطوار.
_ot_bfi_203
حاول مخرجون آخرون اتخاذ السبيل نفسه ، ففي فيلم " هوفا " للمثل جاك نيكلسون ، يتبع الفيلم الخطى الحثيثة لتعرية المؤسسة الحكومية إبّان الثلاثينيات وتواطئها مع نقابات العمال المحمية من قبل الحكومة لخنق " جيمي هوفا" قائد العمال المتهم بميوله " الاشتراكية " .
هناك – على الأقل – من يشهد من اهل هوليود لاختراقات حصلت لجدارهم الصلب  والمتمثل بفيلم ( الهامبرغر الامريكي) الذي تم تقليده بشكل أعمى في معظم ستوديوهات العالم .
في السابق كنا نسمع و نرى نتاجات المعسكر المقابل اي  الاشتراكي بفكره المعادي للرأسمالية والبرجوازية ، ونتج عن ذلك العداء افلاماً عظيمة قاد معركتها سرغي ميخالوفيتش آيزنشتين ممتطياً " المدرعة بوتومكين" ومن المفارقات  أن يقوم مخرج مثل " برايان دي بالما" في فيلم  " المحصنون" وهو من انتـاج المـؤسسة الهوليودية بإهـداء مشهـــد المحطة الـــــى ذكــــرى " آيزنشتين " في سلام الأوذيسة.
قام الطليعيون بتصوير افلام ثورية ، كان قبلتهم فيها المخرج الاسباني " لويس بونويل" في فيلمه " كلب اندلسي " إلاّ ان  بونويل نفسه الذي صمم على تحرير الانسان من العبودية وقيود البرجوازية باستخدام  أسلحة اللاوعي التي يعبر عنها  بالاحلام والكتابة الآلية كما يقول محمد عبيدو في مقالته المنشورة على موقع الحوار المتمدن .
أخرج بونويل حوالي اثنين وثلاثين فيلماً مهماً ، تصدم وتخرب وربما تقسو على المشاهد ولكنها تنبيء في الجهة الأخرى عن انسانية معذبة وروح تواقة لمجتمع انساني اكثر صفاء وربما اكثر عدلاً.
في عام 1928 وبدعم من والدته ، تمكن بونويل من تحقيق فيلم "كلب اندلسي" بالتعاون مع سلفادور دالي ، وكان المراد من هذا الفيلم صدم البرجوازية وانتقاد الفن الطليعي في آن واحد، وقد عبر بونويل في فيلمه " كلب اندلسي" عن رفضه لنزعات الطليعيين الشكلانية وولعهم بالخدع السينمائية على حساب المضمون ، وسيناريو الفيلم مستوحى من حلمين احدهما للويس بونويل حينما حلم ذات مرة  بأن غيمة تقطع القمر ، موسى حلاقة تشق عيناً، وحلم دالي بأن يداً ملأى بالنمل.
طبعاً ليس في الفيلم لا كلب ولا اندلسي انما هي تتابع مشاهد كابوسية ، حبكت بمهارة فائقة لتصدم المشاهد ، الفيلم استهوى السرياليين واعتبروه بمثابة بيان سريالي آخر.
في بداية الثمانينيات من القرن الماضي تعاون مع سيلفادور دالي مخرج ثوري آخر هو آلان باركر فأنجزا فيلماً وصل إلى الحدود القصوى في التضاد مع السينما وتبدأ لقطات فيلم الجدار بلقطة مكبرة لرماد سيجارة كأنها شجرة  ميتة وتتوالى المشاهد الكابوسية مرة بآلة التصوير السينمائية ومرة اخرى برسوم وحشية لسيلفادور دالي طعنت مطارق البلشفية وسخرت من جنون النازي الكبير ادولف هتلر وفي المشاهد الأخيرة لتحطيم الجدار ساهمت أغنية " تعليم " لتصدم الواقع الميت للبرجوازية فظهرت كأنها فأر ميت ويختتم دالي رائعته بزهور تتلوى مثل اعضاء تناسلية تتضاجع.
ان صدمة السينما المضادة لا تتوقف ، يصف " لوي دي جانيتي" مرحلة العمل السري بأنها : اكثر المراحل انتاجاً واكثرها تنوعاً في الأساليب واكثرها اثارة للجدل في الحركة الطليعية.
برز مئات من صانعي الأفلام الشباب في طول الولايات المتحدة وعرضها ابتداءً من منتصف الخمسينيات عندما كان صانعوا الأفلام في الحركة السرية يرتبطون قليلاً بـ "جيل الضربة" المزعوم، رغم إنّ التمركز الكبير كان لا يزال في مدينة سان فرانسيسكو و نيويورك ، ورغم النقد القاسي والاحتقار المستمر من قبل المؤسسة السينمائية ، واصل هؤلاء " اللا منتمون" العازمون على صنعهم للأفلام ، بعضهم صوت صارخ  حاد وقسم ضاحك بشكل عنيف وغير مفهوم ، كان النقاد يهاجمون أو يدينون هذه الأفلام مباشرة كما لو كانت جميعها على شاكلة واحدة وفي الواقع حتى يومنا هذا يسمع المرء بعض قوالب متعبة منها : انك اذا شاهدت فيلماً سرياً واحداً فقد شاهدتها جميعا.
هل يشذ فيلم الجدار عن هذا الحكم؟ بالتأكيد نعم ، فالفيلم لم يتكرر أو يحاول احد ما صنع فيلم مثله ، فليس مستحيلاً على مخرجين كبار تكرار نفس النغمة إلاّ ان تلك النغمة الثورية لا يمكن استنساخها.
في مشهد "التعليم" المرافق للأغنية، البطل يعود إلى طفولته ايام المدرسة، المعلم يعنف التلميذ على كلمات كتبها في دفتره، بينما المعلم نفسه يجلس كتلميذ خائب أمام زوجته المخيفة وتجبره على لوك بقايا طعامه، يتجه التلاميذ بخطى عسكرية يقودها المعلم نحو " ثرامة " لحم ضخمة ، هكذا يصرخ آلان باركر بوجه " المحافظين" وعند قيام الثورة يحطم التلاميذ تخوت الدراسة ويقبضون على المعلم متلبساً بالشتائم.
في منتصف التسعينيات اقدم " أوليفرستون" على فيلم مضاد آخر في السلسلة  الخجولة للسينما المضادة  ظهر فيلم " مولودون قتلة بالفطرة " حيث كل شيء في هذا الفيلم يبدو ممنوعاً أو خارجاً عن السيطرة واذا كنا نتغنى بمصطلحات مثل المونتاج الممنوع فأن الانموذج الأمثل لها كان متجسداً في " مولودون قتلة بالفطرة " ، استخدم أوليفرستون اللون الابيض والأسود في ردود أفعال ابطال الفيلم، استعارة لقطات لحيوانات متوحشة، أفاع ضخمة تتلوى، دماً يسيل من افواه الضحايا، استعارات من برامج تلفزيونية تتداخل مع فكرة الجريمة في أذهان البطلين، حتى شريط الصوت نفسه لم يسلم من الأزعاجات، اللاوعي هنا مجسد امام أعين المشاهدين الذين يصدمون أولاً ثم يشاركون الأبطال في نحر ضحاياهم.
كان أوليفرستون  مثل سلفه لويس بو نويل سينمائياً ذا فضول محايد ، يكشف عن الاشياء بكل قسوة وعنف، يدخل الاحلام في افلامه ، محاولاً تفادي المظهر العقلاني .
انهم سينمائيون فوق العادة ولولا وجودهم لما كانت السينما هي السينما.