المكان ليس جدرانَ وحدود وتضاريس تبصرها وتترك انطباعها لديك فقط ولكن المكان هو الذي تستطيع استشعار روح البقاء فيه ، تجد رغبته بالاستمرار في الوجود من خلال تأثيره وانبعاث روحه في كل عصر، المكان هو مجموع الأرواح التي مرّت فيه وستمر، فالمكان الذي لا يمتلك هذه الخواص سيزول ويندثر ، المكان الذي لا يحمل في تفاصيله عشبة الخلود يضمحل في طيات الذاكرة قبل اضمحلاله على الخارطة .
شارع المتنبي جلجامش الشوارع والأمكنة ، هذا الدرب الملتوي الخالد رغم ما مرّت به من نكبات قديمة أو معاصرة ، هذا الشارع المسافر بين الأجيال وكأنه استمد خلوده من نهر دجلة الذي يجاوره ويستمد اخضراره من مياهه التي لونتها في يوم ما أحبار الكتب التي ألقيت في هذا النهر وهي تحمل أرواح وأفكار من كتبوها.
لا يمكن لنا أن نحصر مكانة شارع المتنبي في الثقافة العراقية المعاصرة ، للشارع مكان استحق بجدارة كونه شكّلَ معيناً للمثقف العراقي ولم يبخل عليه بأي كتاب أو مجلة، فكل من كان يبحث عن ضالته سيجدها بين أكوان من الكتب القديمة والحديثة ولم يكن هذا الشارع يوم ما محسوباً على مدرسة فكرية معينة فقد جمع كل المدارس الفكرية على رفٍّ واحد وهذا يظهر مدى التنوع الثقافي الذي يهيمن على فضاء شارع المتنبي.
انه ليس كبقية شوارع بغداد، انه يحمل في طياته وزواياه الثقافة العراقية، وتحولاتها ولحظات خوفها، هذا الشارع الذي يولد من شارع الرشيد منحدراً صوب نهر دجلة، وكأنه يوحي إليك بسرّيته، راسماً بهذه الولادة دلالة ايقونية تتشكل بتشكل الثقافة العراقية طيلة أكثر من ثلاثة عقود.

في هذا الشارع كان أدباء العراق ومثقفوه يتداولون الكتب التي أضحت بين ارتداد طرف القمع وارتقاء ثقافة المقصلة، كتباً تنذر بعهد من السرية والثقافة ذات الصوت المهموس ولو حاولنا أن نستوضح نوعية هذه الكتب لوجدناها قائمة مفتوحة تشتمل على العديد من العنوانات ولا تقتصر على كتب السياسية بل إنها تتعدى نحو الكتب الشعرية والروائية والكتب التي تتحدث عن اضطهاد الأقليات، من هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر: رواية الساعة الخامسة والعشرون كتب ماركس و انجلز وكتاب النقد الثقافي لـ: عبد الله الغذامي ، وبعض روايات عبد الرحمن منيف و كذلك دواوين سعدي يوسف و عبد الوهاب البياتي و كل الكتب التي تخص بعض المذاهب الإسلامية و كثير من الكتب أصبحت كتباً ممنوعة ويعاقب عليها قانون خاص استحدث ليكون ضمن باقة القوانين المستحدثة التي جعلت القانون العراقي في حالة تحول شبيه بالتحول الألسني، هذا القانون يعاقب كل من نسخ أو باع أو اشترى احد الكتب الممنوعة المدرجة ضمن هذه القائمة المفتوحة التي يستطيع أي ضابط أمن أن يضيف أي عنوان يعتقد انه عنوان خطير لكاتب خطير، بالسجن لعدة سنوات، وهذا ما حصل للعديد من باعة الكتب في شارع المتنبي، بل ان الحالة تعدت الكتب الممنوعة ليكون هناك كتّاب ممنوعون كـ: مظفر النواب و احمد مطر و عزيز السيد جاسم الذي اعدم على يد النظام السابق و الجواهري و البياتي والقائمة تطول.
هذا الشارع الذي ظل محفزاً لقلق السلطة حتى إنهم عينوا ضابط أمن عن هذا الشارع وما يدور فيه من تداول للأفكار وأحاديث الأدباء والمثقفين، خاصة وانه شارع ذو حركة يومية نشيطة، وفيه يجتمع الكثير من أدباء العراق في يوم الجمعة من كل أسبوع بشكل عفوي، مما دفع السلطات إلى افتعال مضايقات الغرض منها الحد من التقاء الأدباء، كأعمال الإنشاء وغلق الشارع وانتشار عناصر الشرطة العسكرية ودوريات الأمن والمداهمات التي كان يبرمج لها وتوقّت لتنفّذ في يوم الجمعة بالذات.

لكن إصرار الأدباء إلى جعل هذا الشارع متنفساً و جعله محوراً لانطلاق الثقافة العراقية والتقاء رموزها من خلال تظاهرة تشير إلى أن الثقافة العراقية حية.
شارع المتنبي الذي اظهر الثقافة الرافضة بصورة منشورات يتلقفها المثقفون، هذه المنشورات كانت عبارة عن مجاميع شعرية وكتب صغيرة مطبوعة بواسطة الكومبيوتر ومستنسخة لتوزع على شكل كتب، وفي هذه الشارع انطلقت حركة الاستنساخ للكتب الواردة من خارج العراق والتي كانت تعتبر من الكتب المحرّمة، وتم إصدار مطبوعات دورية بطريقة التفافية كمطبوع علامات ومجلة أشرعة ومناخات هذه المطبوعات التي لم تعمر أكثر من أعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وبهذا يكون هذا الشارع الذي ينحدر من كتف شارع الرشيد صوب دجلة، نافذة حقيقية اطلّ منها مثقفو العراق صوب الثقافة العربية و العالمية التي حاولت ثقافة القمع أن تحرمهم منها، هذا شارع المتنبي المكان الذي ارتسمت فيه ذاكرة أمينة للثقافة العراقية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشرت في موقع [شهريار] بتاريخ 4 تموز 2011